الشيخ محمد رضا مهدوي كني

376

البداية في الأخلاق العملية

في الحقول الحقوقية ، والسياسية والأخلاقية والوجدانية والعبادات والمعاملات ، وبكلمة في جميع الشؤون الفردية والاجتماعية . وقد نظر إلى جزء كبير من هذه السنن كسنن أخلاقية غير الزامية ، في حين يجب تقسيم المسائل الأخلاقية أيضا إلى الزامية وغير الزامية ، ولا ينبغي النظر إلى مسألة ما على أنها غير الزامية لمجرد وقوعها ضمن اطار السنن والأخلاقيات . فمسائل من قبيل الوفاء بالعهد ، والايثار ، والاحسان وما إليها ، انما هي من المسائل التي تعدّ بعض درجاتها ، من الواجبات في ظل بعض الظروف الخاصة ، رغم انّ موضوعها موضوع أخلاقي ، بل انّ هذا النوع من السنن بمثابة رصيد لسائر الواجبات والفرائض . وإذا كان الامر كذلك ، كيف يمكن لرصيد الواجب ودعامته ان يكون امرا مستحبا وغير الزامي ؟ واعتقد انّ مصدر هذا الخطأ نابع من كون المسائل الأخلاقية ، من المسائل الوجدانية ، وعدم خضوع المسائل الوجدانية للملاحقة القضائية ، مما دفع بالبعض إلى الاعتقاد بأنها من المستحبات . فاللّه تعالى قد جعل العدل والاحسان في مستوى واحد حينما قال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 1 » ، وأمر بهما معا في كلمة واحدة وهي كلمة « يأمر » . ولو افترضنا جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى عقليا ، غير انّ العرف لا يسمح باستنباط معنيين متباينين من كلمة واحدة ، ومن المستبعد جدا ان يستوعب اللفظ الواحد مفهومي الوجوب وغير الوجوب في وقت واحد . ومن البديهي انّ القضايا اللفظية واللغوية لا يمكن قياسها بالمعايير العقلية والفلسفية ، فالإحسان رصيد العدالة . فما لم تتوفر لدى الانسان روح الاحسان فليس بمقدوره أن يتحمل مسؤولية العدل ، إذ تقف بدل الإحسان صفات مثل الغرور والتكبر والخسّة والاستبداد . ومن يتصف بمثل هذه الصفات ، فلا يعترف بأي حقّ للآخرين كي يلزم نفسه باحترامه . وانطلاقا من ذلك يعد الاحسان أساس العدل ، بل أصولا انّ كل قضية

--> ( 1 ) النحل / 90 .